القاضي عبد الجبار الهمذاني
267
المغني في أبواب التوحيد والعدل
لم يمتنع فيه ما ذكرته في المرارة . وقد بينا من قبل طريقة أبى هاشم رحمه اللّه في أنه لا بد من أن ينفر طبعه عن هذا الحادث إذا كان الحال ما ذكرناه . ولذلك وجب أن يكون ألما . وبينا ما يختاره من أنه بالعادة يجب أن يكون نافر الطبع عنه ، ويجوز أن يشتهيه ، بدلا من أن ينفر طبعه عنه . لكن ذلك يخرج عن العادة ويظن « 1 » أنه كالمستحيل ، كما يظن كثير من الناس في الأشياء المرة أنها لا يصح أن تشتهى كالصبر وشحم الحنظل . ولا يمتنع ذلك عندنا من أن يصح أن يشتهى ذلك وإن كان بخلاف / العادة . فكيف يصح ما تعلقت به ؟ ثم يقال له : خبرنا عن المرارة ، أليس لو أدركها الحي منا وهو غير نافر الطبع عنها كان لا يألم ؛ فلا بد من نعم « 2 » ، لأنه متى لم يقل ذلك ، فسد عليه القول في أن كونه ألما وملتذا عند إدراك المدركات يتبعان الشهوة والنفور . فيقال له عند ذلك : أليس كونه ألما من حكم كونه نافرا ، لأنه قد يدرك ولا يحصل هذا الحكم . ومتى كان نافر الطبع عما يدركه حصل له هذا الحكم . وإذا صح ذلك ، فكيف يجوز أن يحصل للحى منا مثل هذا الحكم من غير نفار الطبع . وهل ذلك إلا بمنزلة قلب الحقائق ؛ لأن تألمه بالمدرك إذا كان في حكم الحقيقة لكونه نافرا - كما أن صحة الفعل منه في حكم الحقيقة لكونه قادرا - فكيف يصح أن تثبت له هذه الحال مع فقد كونه نافرا ؟ ثم يقال له : إذا جاز عندك أن يكون ألما بهذين الوجهين المختلفين ، فمرة يألم لإدراك ما ينفر طبعه عنه ، ومرة يألم بحدوث التفريق المخصوص في جسمه وإن لم يدرك معنى البتة ؛ فهلا جاز مثله في كونه ملتذا ؟ فلم حكمت أنه لا يحصل ملتذا إلا على وجه واحد ، وهو بأن يدرك ما يشتهيه ؟
--> ( 1 ) في الأصل فيظن . ( 2 ) أي من أن يقول نعم .